بناء البنية التحتية الصحية في مصر

بناء البنية التحتية الصحية في مصر

 

فلسفة النظام الصحي الإيجابي تنظر على أنّ هذا النظام نظام اقتصادي مدّر للربح وذو إدارة مالية ذاتية. إن هذا النظام يقدم مجموعة من الخدمات تتطلب لمدها لإحتياجات صناعية إستهلاكية ضخمة. تصل ميزانية الصحة عادة إلى عدة مليارات من الجنيهات. يتيح النظام الصحي الأمثل فرص عمل كثيرة تؤدي في النهاية إلى زيادة في محصلة الضرائب مما يعود على المجتمع وعلى الدولة بفائدة كبيرة، لكن لتطبيق نظاما صحيا أمثل لابد من توفير مجموعة من العناصر مثل القوانين السهلة التي تتيح أكثر مما تمنع ونظام مالي يتميز بالشجاعة والإقدام في الاستثمار المأمون وكذلك حماية أمنية تتيح للعاملين العمل بحرية. كما أنه يحتاج إلى تعاون وثيق مع إدارات مختلفة في الدولة لإنجاحه. بالطبع لا يمكن إرساء مثل هذا النظام إلاّ بوضع استراتيجية محددة ثابتة طويلة الأمد.

 

النظام الصحي المصري الموجود حاليا هو نظام يفتقد إلى هذه الاستراتيجية ويفتقد إلى المال والخبرة كما أنه يفتت المصادر الموجودة ولا يحسن استخدامها سواءا كانت مالية أو بشرية أو علمية. كما أنه مكبّل بقوانين عشوائية وبالية لا تتيح له التقدم. للخروج من هذا المأزق لا بد من وضع استراتيجية مع الأطباء والعاملين الشباب تنبع من احتياجاتهم وآمالهم مع مصارحتهم بأن الطريق الصحيح طويل الأمد. من أهم العناصر التي يجب أن تبنى عليها هذه الاستراتيجية هو اختزال المؤسسات المقدمة للخدمات الطبية إلى مجموعة صغيرة من المؤسسات وتحريرها من هيمنة المؤسسات التعليمية والجامعات لكي تستطيع أن تأخذ طريقها الصحيح. في هذا الصدد لابد من التنويه بأهمية استقلاليه هذه المؤسسات وإدارتها بطريقة اقتصادية معقولة تتيح تقديم خدماتها مجانيا لبعض قطاعات المجتمع. كما يجب إنهاء سيطرة وزارة الصحة على المستشفيات ومؤسسات تقديم الخدمات الصحية. أحد أهم عوامل نجاح المؤسسات الطبية هو العنصر البشري من الإداريين والممرضات والأطباء لذلك لابد من وضع خطة ثابتة لإنشاء مدرسة تمريض ذات مستوى يسمح بالاعتماد على الممرضة المصرية وإتاحة الطريق لتعليم الأطباء بطريقة نوعية جيدة ترجع لهم اعتزازهم بمهنتهم وثقة المرضى بهم واحترام المجتمع لهم. ومن المهم أن نذكر في هذا المجال عدم جر الأطباء إلى أماكن التدريب الوهمية وغابة الشهادات الفارغة التي أدت بهم والممرضات إلى الكارثة الحالية. لتنفيذ هذا المخطط أقترح بأن تستغل إحدى المراكز الطبية المتخصصة بطريقة علمية لإنشاء نظام تعليمي ناجح يسير موازيا للنظام التعليمي الفاشل الموجود حاليا. لابد أيضا من وضع نظام منطقي لزيادة دخل العاملين بالمجال الصحي لاستغلال قدراتهم بطريقة إيجابية وتحفيزهم على العمل المثمر.

 

 لابد أيضا من نقلة استثمارية وتصنيعية جذرية ونوعية تتيح إقامة صناعات طبية مناسبة لإدارة العجلة الاقتصادية في هذا المجال بواسطة رجال أعمال مصريين.

 

ومن آليات تحسين النظام الطبي في مصر أخذ الدراسات الموجودة عند رجال الصناعة الطبية في مصر بعين الاعتبار وإنشاء مدينة صناعية طبية تفي بالتزامات مصر من احتاجاتها في هذا المجال. إن الصناعات الطبية هي صناعات نظيفة لا تلوث البيئة وهي ذات عائد مادي ملموس. أقترح بأن تكون هذه المدينة في منطقة تحتاج إيجاد فرص عمل بها مثل أسوان أو إحدى مدن سيناء أو الساحل الشمالي.

 

بقيت المعضلة الكبرى التي تتشدق بها خطأً الدول والنظم قليلة الخبرة بالنظم الصحية المتكاملة وهي مشكلة العلاج المجاني وهناك طريقين إما الطريق الخاطئ الموجود حاليا القائم على الإيهام بالعلاج المجاني مع تحمل تبعياته المعروفة والتي يعاني منها المرضى حاليا أو الإعتراف بالحقيقة وإيجاد آلية صحيحة لتقديم مثل هذا العلاج بطريقة من طرق التكافل الإجتماعي الاقتصادية وهناك الكثير من الآليات لتحقيق هذا النظام بنجاح.

 

لا يمكن تقدم الصحة في مصر في ظل القوانين المتضاربة والمنع الغير مفهوم لاستيراد بعض المستلزمات لذلك وجب طرح المسألة لاستصدار قانون واضح يحمي العمل في المجال الطبي بدلا من أن يكبلّه. وسوف أعرض في مقالاتي القادمة تباعا تفصيلا لهذه الاستراتيجية وخطط العمل كاقتراح يناقش مع الأطباء الصغار والمرضى المثقفين لأنهم الهدف الرئيسي لهذه المنظومة وذلك في إطار المجهودات التي تقوم بها السفارة المصرية في برلين ومن خلال أعمال جمعية علماء مصر في الخارج بالقاهرة. إني أدعو كل المهتمين بالمجال الطبي لعمل مؤتمر متواصل تناقش هذه المسألة الحيوية من خلال فيسبوك  ومن خلال جمعية علماء مصر في الخارج التي أتشرف بأن أكون ممثلا لها في ألمانيا وكذلك الاتصال والتواصل مع الجمعية في كافة المجالات العلمية لوضع استراتيجيات عمل لمصر في هذه المرحلة الانتقالية لكي نكون مستعدين جميعا والشباب المصري خاصة من أجل بدء العمل والبناء بعد استقرار الدولة السياسية التي تتمنى جمعية علماء مصر في الخارج بأن يكون أغلبية المساهمين فيها من شباب العلماء المصريين وأبطال الثورة المصرية الحديثة الشجاعة والخالدة وليس المنتهزين والباحثين عن أدوار والباقين بعد تغيير جلدهم المفاجئ وهو ما نرجو أن يتنبه له شباب مصر وأملها.

 

 

الدكتور عارف السويفي

استشاري جراحة المسالك البولية

مدير أندروكير

www.maculine.de

ممثل جمعية علماء مصر في الخارج في ألمانيا الاتحادية

 

 

Leave a Comment